يعتبر موضوع الرعاية اللاحقة من بين أهم القضايا المطروحة اليوم على الحقل الاجتماعي في امتداداته النفسية والقانونية والأمنية، إذ أن تطور التشريعات وتطور التمثل الإنساني للعقاب أفرزا إلى الوجود العديد من الأفكار والدبيات التي تعتبر الفعل الجرمي حادثة في مسار الفرد والمجتمع ويترتب عنها تحملات مالية ونفسية واجتماعية يؤديها الجميع سواء بصفة مباشرة أوبصفة غير مباشرة، ولما كانت العقوبة محدودة في الزمان ( باستثناء عقوبة الإعدام) فإنه من العدل أن تنتهي العقوبة بانتهاء المدة السجنية المقضي بها بحكم القانون، وحيث أن الواقع عكس ذلك تماما إذ تستمر العقوبة إلى ما بعد الإفراج وهو ما يساهم بشكل كبير في حالات العود إلى الجريمة. وهي نتيجة طبيعية لرفض المجتمع والدولة للخارجين من السجن. والواقع أن النقاش الذين يهمهم الرعاية اللاحقة تجد له امتدادات عميقة في تاريخ الفكر الإنساني إذا تحدثنا كتب التاريخ أن أفلاطون الفيلسوف الإغريقي كان وهو في القرن الرابع شارحا أهمية أن لا تركز العقوبة على الإيلام النفسي والجسدي، وكان الرومان من خلال قانون الاثني عشر لوحا يميزون في العقوبة بين مالك الهبة وفاقدها واعتبروا الأطفال في عهد الإمبراطور حيستنيات ناقصي الأهلية. كما أقاموا دورا خاصة بالحالات الشاذة في المجتمع قصد علاجها. وفي نفس السياق اعتمد قدماء المصريون والصينيون والهنود على المخزون الديني لمنح التوبة والرجوع إلى المجتمع، فالمصريون اعتمدوا التراتيل المقدسة لتطهير نفوس المجرمين والخارجين عن القانون، واعتمد الصينيون ما يعرف "بالحجر الجميل" ذي الخطوط المتوازنة والمنسجمة حيث يدعى المجرم للتأمل في الحجر أياما طويلة قصد استيعاب أهمية التوافق الاجتماعي والانسجام الموجود في الطبيعة، أما الهنود فقد جسدوا تعاليم هانووكونفوستيوس أولا من خلال استحمام المجرمين في المياه المقدسة وفق المعتقدات الهندوسية وهو ما زال مستمرا إلى اليوم في الهند، وثانيا من خلال تعليم الأحداث لأن المعرفة حسب كونفوشيوس هي عماد الأخلاق. وقد شكلت الأديان السماوية إضافة جديدة لهذه التصورات المفعمة في الرغبة في إصلاح المجرمين واستعادتهم إلى أحضان المجتمع على الرغم ما كانت تتصف به الحضارات القديمة من شدة وتحجر في الأحاسيس نظرا لنمط العيش القاسي والتخلف التكنولوجي الذي كان يجعل من الإنسان آلة لا تتوقف. أما في المرحلة المعاصرة فقد ساهمت التحولات العلمية إلى استيعاب أ،ماط من السلوك التي تكون نتيجة لأمراض نفسية مزمنة، وأصبح القضاة يعتمدون وجهة نظر الأطباء والاخصائيين النفسيين في تحديد حجم المسؤولية الجنائية للمتهمين، وبادرت العديد من الدول إلى إنشاء أنظمة للرعاية اللاحقة تغطي الجوانب النفسية والاجتماعية للمفرج عنهم، قصد قطع كل الأسباب التي من شأنها أن تعيدهم إلى أوكار الجريمة. غير أن الرعاية اللاحقة تواجه عدة صعوبات منها ما يتعلق بالاستعداد النفسي والاجتماعي للمجتمع في تقبل السجين السابق ومنها ما يتعلق بالإطار القانوني الذي يساهم في إفشال برامج إعادة الإدماج من خلال الاحتفاظ بسنوات العقوبة وملف السوابق للسجين السابق مما يؤثر عليه في إمكانية ولوج الشغل الذي يعتبر محوريا في أية سياسة للرعاية اللاحقة. كما تتأثر الرعاية اللاحقة في الدول التي تستمر فيها نفس الأسباب المؤدية للجريمة كانتشار الفقر، غياب العدالة الاجتماعية، انتشار الفوارق الطبقية الصارفة، معدلات كبيرة للبطالة، غياب السكن اللائق. ففي ظل هذه الأوضاع تصبح الكثير من برامج الرعاية اللاحقة نوعا من الترف وشكلا من أشكال العلاقات العامة للدولة وهو ما يعني أننا لا يمكن أن نتوقع منها نتائج في حجم الانتظارات والتحديات التي تواجه الأمن الوطني نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. تستند الرعاية اللاحقة على مجموعة تصورات نظرية وميدانية تشكل عماد فلسفتها، وترتكز على أهداف واضحة وإن اختلفت السياقات المجتمعية وتتجلى ماديا ضمن أنماط معينة أ- أي فعل جرمي هو نتيجة لظروف معينة، وأن يكون الإنسان مجرما هذا لا ينزع عنه صفة إنسان ومن ثم تتضح ضرورة إصلاحه لإعادة بناء توافقه مع المجتمع ب- أثبتت العديد من الدراسات والأبحاث أن أسرة المجرم أو الحدث غالبا ما تتأثر سلبيا بهذا الواقع سواء كان المعني بالأمر أبا ، أما، أخا وأختا فإن الأسرة تكون مهددة بانتقال عدوة الانحراف بين أفرادها، كما أنها تمثل الحضن الأساسي للمفرج عنهم لذا وجب الاهتمام بها أثناء فترة قضاء العقوبة وأثناء الإفراج وما بعد الإفراج، لأن عودة السجين الأسبق إلى أسرة هو أفضل بكثير من وضعه في مراكز أو مؤسسات متخصصة، فجو الأسرة يشعره بأهميته الاجتماعية وأنه مقبول من طرف أهم أقربائه مما يسهل مأمورية اندماجه في المجتمع الواسع. ج- مسؤولية الدولة والمجتمع تستمر إلى ما بعد الإفراج من خلال توفير شروط التأهيل الاجتماعي وإعداد الفرد إلى الاندماج المهين وتعزيز مقدراته النفسية والاجتماعية إلى الجانب المهني د- أن السلوك المنحرف هو نتيجة لتظافر عدة ظروف موضوعية، وأي تفكيك لهذه الظروف وأي حد من آثارها السلبية من شأنه أن يوقف هذا السلوك وتحد من آثاره على الفرد والمجتمع[1]. أ- إعادة تأهيل وتربية المفرج عنهم وإعدادهم نفسيا واجتماعيا للاندماج في المجتمع ب- الحد من العودة إلى الجريمة وتوفير أجواء الأمن وهو ما ينعكس على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للدولة ج- تهميش المفرج عنهم للالتحاق بدورة الإنتاج في الاقتصاد الوطني من خلال تمكينهم من تأهيل مهني مناسب وتدريبهم على طرق البحث عن شغل، ممالا يشكل إضافة إلى الناتج الحدي للاقتصاد الوطني د- مواكبة البحث العلمي لنتائج الرعاية اللاحقة وذلك بتقديم اقتراحات للمؤسسات الحكومية المختصة في طبيعة الجرائم والحكام وأشكال تنفيذ العقوبة[2]. أ- النمط التقليدي ويرتكز على مبادرات المجتمع المدني برؤيته الإصلاحية والخيرية التطوعية كعمل الجمعيات الخيرية ورجال الدين ب- النمط شبه الرسمي ويتجلى ذلك في تفويض الدولة لجهات أخرى بعض الوظائف في إطار الرعاية اللاحقة، وتمكن الدولة هذه الجهات بالوسائل المادية والبشرية اللازمة للقيام بمهامها. وهي نفس الوضعية الموجودة في المغرب من خلال مؤسسة محمد السادس لرعاية وإدماج المسجونين التي تم انشائها سنة 2002 وتخضع لأحكام قانون الحريات العامة الصادر في 15 نونبر 1958 والتعديلات التي أدخلت عليه وهو ما يعني أنها جمعية من جمعيات المجتمع المدني تستفيد من صفة المنفعة العامة وقد أشار مرسوم المنفعة العامة الممنوحة لها إلى أ،ه لا تجوز أن تجاوز قيمة ممتلكاتها 300 مليون درهم. 3- النمط الدولتي الرسمي وهو أهم هذه الأنماط حيث تتحمل الدولة بصفة مباشرة لمسؤولياتها في الرعاية اللاحقة من خلال مراكز وإدارات متخصصة، غير أن اضطلاع الدولة بهذه المهام لا ينفي أهمية انخراط المنظمات الخيرية ورجال الدين والمجتمع المدني المتخصصة في الرعاية اللاحقة، في الجهود التي تبذل على صعيد الدولة لإعادة إدماج المفرج عنهم. إن ضمان الفعالية للرعاية اللاحقة يمر وجوبا عبر قناة المشرع الذي يحدد الإطار القانوني لإجراءات الحكم والعقوبة وحيث أنه لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص فإنه بالقدر نفسه لا فعالية ولا إجرائية للرعاية اللاحقة دون قيود قانونية مؤطرة وموجهة لعمل المؤسسات والأفراد الذين خصهم القانون بتنفيذ العقوبة والإصلاح والرعاية اللاحقة سواء داخل السجون أو داخل مؤسسات الإصلاح والتهذيب أو باقي المؤسسات التي ترعى المسجونين المفرج عنهم. لقد شكلت خلفية حقوق الإنسان والمنظور الإنساني للسجن الدافع الأساسي للمجموعة الدولية في اتخاذ تدابير وإجراءات وتوصيات حول الحدود الدنيا لمعاملة السجناء أثناء العقوبة وبعد الإفراج، وهذا التصور يستند فكريا إلى مجموعة من الكتابات التي تناولت المؤسسة السجنية تناولا معرفيا ولعل أعمال ميشيل فوكو تعتبر الأساس وحجر الزاوية في البناء المعرفي للمؤسسة السجنية، وتعبير المؤسسة في حد ذاته ينتمي إلى حقل الحداثة، لقد أكد ميشيل فوكو على أن السجن أو العقاب السجني شكل خطوة متقدمة في اتجاه النزعة الإنسانية، لأن قانون العقوبات ينبغي أن يسمح فقط بإصلاح الضرر الواقع على المجتمع وأنه لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون... وإنما ينبغي الانتباه أيضا إلى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية. إن القانون المغربي يعرف عدة تدابير يمكن إدراجها في إطار ضمان عدالة العقوبة والرعاية اللاحقة على الرغم من أنه ينطوي على عدة مفارقات سنثيرها بالتفصيل. لقد شكل المؤتمر الدولي لمكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين المنعقد بجنيف سنة 1955 أول لقاء عالمي من هذا المستوى لتحديد السياسات العمومية في مجال تدبير الجريمة والعقوبة والرعاية اللاحقة وقد خلص المؤتمر إلى عدد من الإجراءات تم اعتمادها من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة بقراريه 663 المؤرخ في 31 يوليوز 1957 والقرار رقم 2076 المؤرخ في 12 ماي 1977 وهذه القواعد تعد الحد الأدنى المتفق عليه أمميا في معاملة السجناء ويمكن بإيجاز تلخيص أهم هذه القواعد في النقط التالية[3]: - واجب المجتمع إزاء السجين لا ينتهي بالإفراج عنه - وجوب قيام هيئات حكومية وأهلية للعمل على مساعدة السجين المفرج عنه وتأهيله اجتماعيا وتهييئهم لإعادة إدماجهم في المجتمع - تيسير حصولهم على اعمل والسكن اللائقين - ضرورة الاتصال بالسجناء أثناء تنفيذ العقوبة والعمل معهم على رسم مستقبل حاجياتهم بعد الإفراج - العمل على تحسين علاقات السجين بأسرته بقدر مل يكون ذلك في صالح الطرفين - ضرورة استحضار مستقبل السجين بعد إطلاق سراحه منذ بداية تنفيذ الحكم، ويشجع ويساعد على أن يواصل أو يقيم من العلاقات مع الأشخاص أو الهيئات خارج السجن، كل ما من شأنه خدمة أسرته، وتسيير إعادة تأهيله الاجتماعي. - على الإدارات والهيئات الحكومية أو الخاصة، التي تساعد الخارجين من السجن على العودة إلى احتلال مكانهم في المجتمع. - أن تسع الإدارات الحكومية بقدر الإمكان إلى جعل السجناء المفرج عنهم يحصلون على الوثائق وأوراق الهوية الضرورية والحصول على المسكن والعمل المناسبين وعلى ثياب لائقة تناسب المناخ والفصل. وأن توفر لهم من الموارد ما يكفي لوصولهم إلى وجهتهم ولتأمين أسباب العيش لهم خلال الفترة التي تلي إطلاق سراحهم مباشرة. - يجب فتح المؤسسات السجنية أمام الهيئات والأجهزة الحكومية والمدنية المعنية بالرعاية اللاحقة، وتسهيل الالتقاء بالسجناء، ويجب أن يستشاروا بشأن السجين منذ بداية تنفيذ العقوبة ويستحسن أن تكون أنشطة الهيئات المذكورة ممركزة أو منسقة بقدر الإمكان لكي ينتفع بجهودها على أفضل وجه. وقد سارت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس الاتجاه من خلال قرارها 45/111 الصادر بتاريخ 14 دجنبر 1990 حيث نص على: - تهيئة الظروف التي تمكن السجناء من الاضطلاع بعمل مفيد مأجور، ييسر إعادة انخراطهم في سوق العمل في بلدهم، ويتيح لهم أن يساهموا في التكفل بأسرهم وبأنفسهم ماليا - ينبغي أ، يتوفر للسجناء سبل الحصول على الخدمات الصحية المتوفرة في البلد دون تمييز على أساس وضعهم القانوني - ينبغي العمل بمشاركة ومعاونة المجتمع المحلي والمؤسسات الاجتماعية ومع إيلاء الاعتبار الواجب لمصالح الضحايا وعلى تهيئة الظروف المواتية لإعادة إدماج المطلق سراحهم في المجتمع في ظل أحسن الظروف الممكنة. يتضح من خلال المبادئ والتوصيات السابقة أن المجتمع الدولي وعلى مر السنوات الفاصلة ما بين المؤتمر الدولي الأول لمكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين سنة 1955 واجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 14 دجنبر 1990، قد راكم ما يكفي من الوعي بأهمية إعادة إدماج السجناء المفرج عنهم ورعايتهم بما يجب من الحرص والإمكانيات لمنع عودتهم من جديد إلى عالم الجريمة. لقد عمل المشرع المغربي بدوره ومن خلال ترسانة القوانين التي أصدرها سواء تلك المتعلقة بالمادة الجنائية أو المدنية، على تمثل المبادئ والقواعد الدولية في معاملة السجناء والرعاية اللاحقة، غير أن هذه القوانين في شقها الإيجابي تصطدم في مرحلة التنفيذ مع قوانين ونصوص أخرى تجعل الجهد التشريعي الأسبق مجرد حبر على ورق ولا يصلح لتحقيق أهداف إعادة الإدماج ويجعل الجهود المبذولة سواء من طرف الدولة من خلال مؤسساتها ( السجون، مراكز الإصلاح والتهذيب..) أ, مؤسسات المنفعة العامة كمؤسسة محمد السادس لرعاية المسجونين وباقي فعاليات المجتمع المدني من جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات المتخصصة، غير قادرة على تحقيق نتائج مادية ملموسة على المستوى الكمي ولذلك ما فتئ الحركات المطالبة بالتعديل الدستوري تطالب بسمو القوانين الدولية على القانون الوطني. سنحاول أن نعرض النقط الإيجابية والسلبية في القانون المغربي بغية لفت الانتباه إلى ما يجب تحصينه وتطويره وما يجب حذفه وتعديله، حتى تتحقق لبلادنا الآليات القانونية التي من شأنها المساهمة في تجويد فعل التدخل الدولي والمدني في إطار الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم. نص القانون الجنائي المغربي في فصله 55 على: (في حالة الحكم بعقوبة الحبس أو الغرامة في غير المواد المخالفة إذ ام يكن قد سبق الحكم على المتهم بالحبس من أجل جناية أو جنحة غير عادية يجوز للمحكمة أن تأمر بإيقاف تنفيذ تلك العقوبة على أن تعلل ذلك) وهذا يوضح رغبة المشرع المغربي في جعل العقوبة السالبة للحرية لمن ليست لهم سوابق أمرا ممكنا، بل يمنح المشرع للقاضي سلطة تقديرية واسعة باعتباره محيطا بالملف الجنائي وقادرا على تقييم الظروف والأسباب التي قادت المتهم إلى ارتكاب الفعل المخالف للقانون، وهذا التقدير المتروك للقضاة يجب أن يواكب بتمكينه القضاة من الاطلاع على المعرفة النفسية والاجتماعية التي من شأنها أن تمكنهم من وضع النصوص القانونية في السياق والهداف التي سعى إليها المشرع، فكثير من المسجونين لأول مرة يتطور لديهم السلوك الإجرامي داخل المؤسسة السجنية، حيث يتحول السجن من فضاء لتقويم السلوك والتهذيب إلى فضاء للاطلاع الواسع على أصناف الانحراف والجنوح. إن وقف العقوبة يجعل المحكوم تحت رقابة قضائية خارج السجن وهو ما يمثل إشارة من المجتمع والدولة إلى قبولهم له شريطة الانضباط للسلوك الاجتماعي المقبول وفق القوانين والأنظمة السارية. نص القانون المغربي في الفصل 59 على أن: (الإفراج المقيد بشروط هو إطلاق سراح المحكوم عليه قبل الأوان نظرا لحسن سيرته داخل السجن، على أن يظل مستقيم السيرة في المستقبل، أما إذا تبث عليه سوء السلوك، أو إذا أخل بالشروط التي حددها القرار بالإفراج المقيد فإنه يعاد إلى السجن لتتميم ما تبقى من عقوبته)، وقد عمل المشرع المغربي إلى التعرض بالتفصيل إلى الحالات والإجراءات المتبعة لتفعيل الإفراج المقيد بشرط من خلال فصول المسطرة الجنائية من 663 إلى 672، ومن خلال القانون 9/23 الصادر بتاريخ 25 غشت 1999 بمثابة قانون منظم للسجون بالمغرب وخاصة المواد 154 إلى 159 وكذلك الشأن بالنسبة للأحداث من خلال المسطرة الجنائية في إطار الحرية المحروسة وخاصة الفصل 550 إلى الفصل 553. إن هذه الإجراءات والتدابير المرتبطة سواء بالإفراج المقيد بشرط أو الحرية المحروسة يؤكد أن العقوبة الحبسية ليست انتقاما من المجرم بل هي تدبير لإصلاحه وإعادة ضبطه مع قيم المجتمع والقوانين السائدة فيه ومتى اتضح أن المسجون أعاده مراجعة سلوكه وبرهن على ذلك من خلال يومياته في السجن فإن للجهات التي خولها القانون تقييم سلوكه أن تتخذ التدابير اللازمة الإدارية والقانونية وفق منطوق فصول المسطرة الجنائية من أجل تمكينه من هذا الحق. نثير في هذه النقطة أهم الصعوبات القانونية التي تواجه فعالية جهود الرعاية اللاحقة كما أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة كما أن نقطة الجوانب السلبية في التشريع المغربي تثير نقاشا فقهيا وفلسفيا عميقة حول مفهوم العقوبة، فالعقوبة يجب أن تنتهي بانتهاء مفعولها المادي أي في لحظة الإفراج عن السجين فالعقوبة الحبسية التي قضاها من المفروض أن تكون موازية لحق المجتمع في التعويض عن الضرر الذي تسبب فيه المعنى بالأمر دون أن يكون إجراء الاعتقال إجراءا انتقاميا بل كما أسلفنا إجراءا تهذيبيا يستهدف إعادة التوازن السلوكي للسجين. غير أن جملة من القوانين سواء تلك الخاصة بالمسطرة الجنائية أو الوظيفة العمومية والحريات العامة أو مدونة الانتخابات وغيرها تشكل حاجزا أمام كل الجهود التي تبدل في سبيل إعادة اندماج سلسل للمفرج عنهم وتتضح هذه الصعوبات القانونية على المستويات التالية: يحدد الفصل 21 من الظهير الشريف رقم 008/58/1 الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958 ومختلف التعديلات التي أدخلت عليه إلى حدود سنة 2006 شروط ولوج الوظيفة العمومية كما يلي: (لا يمكن لأي شخص أن يعين في إحدى الوظائف العمومية إن لم تتوفر فيه الشروط الآتية: - أن تكون له جنسية مغربية - أن يكون متمتعا بالحقوق الوطنية وذا مروءة - وأن يكون مستوفيا لشروط القدرة البدنية التي يتطلبها القيام بالوظيفة. - إذا لم يكن في وضعية تتفق ومقتضيات الخدمة العسكرية والخدمة المدنية. وقد فصل منشور الوظيفة العمومية رقم 1 الصادر بتاريخ 5 فبراير 1971 مفهوم المروءة الوارد في الظهير الشريف أعلاه بأنه يستلزم على الأقل غياب إدانة جنائية جدية، ويسير الفصل 62 من القانون الجنائي المغربي في نفس الاتجاه إذ يؤكد على أن التجريد من الحقوق الوطنية يؤدي إلى عزل المحكوم عليه وطرده من جميع الوظائف العمومية وكل الخدمات والأعمال العامة. وحيث أن هذه الدراسة تحاول مقاربة البطالة كدافع لجريمة فإننا نتساءل عن مدى نجاعة جهود الرعاية اللاحقة التي تركز على الشغل في إعادة إدماج السجناء المفرج عنهم وقانون الوظيفة العمومية يشترط المروءة والقانون الجنائي يؤبد وضعية البالة بالنسبة للمحكوم عليهم وإذا كان الأمر الخاص الذي لا يعرف سوى الربح في علاقات الإنتاج؟ وكيف يمكن لمؤسسات الوساطة في التشغيل كالوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ANAPEC تسهم في الرعاية اللاحقة أمام هذا الوضع القانوني؟ أبرز ما يمكن أن نلاحظه على المسطرة النائية فيما يتعلق بالجوانب السلبية في التشريع المغربي والمعيقة لجهود الرعاية اللاحقة هو ما أفرد له المشرع فصولا تتعلق بالسجل العدلي ورد الاعتبار وسوف نتطرق لكل منها على حدى من خلال استعراض بعض الفصول من المسطرة الجنائية. الفصل 694: "توجد لدى كل محكمة ابتدائية ولدى المحاكم الإقليمية المضمنة في لائحة توضع بموجب قرار من وزير العدل مصلحة التسجيل العدلي يديرها رئيس كتابة الضبط بالمحكمة المذكورة تحت مراقبة وكيل الدولة ورئيس النيابة العامة. وتختص هذه المصلحة بمسك السجل العدلي لجميع الأشخاص من غير اعتبار جنسيتهم المزدادين بدائرة هذه المحكمة أو عند الاقتضاء بالدائرة المبينة في القرار الوزاري المشار إليه ويتضمن السجل العدلي السيرة الجنائية للفرد حيث يتضمن أنواع الجرائم التي ارتكبها ومدة العقوبة ونوعها والغريب أن هذا السجل لا يتضمن في المقابل المعارف والشواهد التي حصل عليها المسجون داخل المؤسسة السجنية وحيث أن السجل العدلي يطلب عادة الشغل الوظائف سواء بالنسبة للقطاع العام أو القطاع الخاص فإن مضامين هذه الوثيقة غالبا ما تحكم على المسجونين المفرج عنهم بالبقاء على هامش دورة الإنتاج على أسرهم بالحاجة والفقر مما يساهم ويقوي العوامل المؤدية إلى ارتكاب السلوك الإجرامي ليس فقط في شكل عودة المفرج عنه إلى الجريمة بل استقطاب أفراد من أسرته إلى عالم الجريمة وبالتالي الرجوع إلى نقطة الصفر. اعتمد المشرع المغربي آلية الاعتبار لمحو العقوبة السابقة وإعداد المفرج عنهم إلى العودة الطبيعية إلى أحضان المجتمع غير أن التأمل في الفصول المتضمنة في المسطرة الجنائية والمنظمة لإجراء رد الاعتبار سواء القانوني أو القضائي يصيبنا بخيبة أمل كبير، إذ أن إجراءات رد الاعتبار تتحول إلى عقوبة غير معلنة وشبه تعجيزية ولا تساهم إطلاقا في الإسراع بعودة المفرج عنهم إلى المجتمع ويتضح ذلك جليا من خلال مضامين الفصول التالية: الفصل 731: "يكتسب قانونيا المحكوم عليه رد الاعتبار الذي حرم منه ما لم يصدر داخل الآجال المنصوص عليها أسفله أي حكم جديد بالسجن أو بعقوبة أخطر مما سبقها من أجل جناية أو جنحة: 1- فيما يخص العقوبات بالغرامة فبعد انتهاء أجل خمس سنوات من يوم أداء الغرامة أو من يوم انتهاء الإجبار بالسجن أو انصرام أحد التقادم. 2- فيما يخص العقوبة بالسجن لمدة لا تتجاوز ستة أشهر فبعد انتهاء اجل قدره عشر سنين إما من يوم انتهاء العقوبة المنفذة على المحكوم عليه وإما من يوم انصرام أجل التقادم. 3- فيما يخص العقوبة الوحيدة بالسجن لمدة تتجاوز سنتين أو فيما يخص عدة عقوبات لا يتجاوز مجموعها سنة واحدة: فبعد انتهاء أجل قدره خمس عشرة سنة يعتبر ابتداؤه حسبما هو منصوص عليه في الفقرة السالفة. 4- فيما يخص العقوبة الوحيدة بالسجن لمدة تتجاوز سنتين او فيما يخص عدة عقوبات لا يتجاوز مجموعها سنتين فبعد انصرام اجل قدره عشرون سنة يعتبر ابتداؤه بنفس الصورة السابقة، وإن العقوبات التي صدر الأمر بإدماجها تعتبر في حالة تطبيق المقتضيات الآنفة الذكر بمثابة عقوبة واحدة كما أن الإعفاء الكلي أو الجزئي من العقوبة يقوم بطريق العفو مقام تنفيذها كلا أو بعضا. الفصل 732: "يعاد كذلك الاعتبار بحكم القانون لكل محكوم عليه بعقوبة سجن أو غرامة مع تأجيل التنفيذ وكذلك بعد انتهاء فترة اختبار تحدد في خمس سنين ما لم يقع إلغاء تأجيل التنفيذ. ويبتدئ هذا الأجل من اليوم الذي أصبحت فيه العقوبة مكتسبة قوة الشيء المقضي به بصفة لا تقبل الرجوع. أما في حالة رفض طلب رد الاعتبار فإن الفصل 745 ينص على ما يلي: "في حالة رفض الطلب لا يمكن تقديم طلب جديد ولو في الحالة المنصوص عليها في الفصل 738 إلا بعد انصرام أجل قدره سنتان من تاريخ الرفض". ولكي نستجلي الأمر فإن الفصل 738 ينص على ما يلي: "إن أدنى المحكوم عليه خدمات نسبيته للبلاد مخاطرا بحياته بعد ارتكاب الجريمة لم يتقيد بطلب رد الاعتبار بأي شرط من حيث الآجال أو تنفيذه العقوبة". إن التأمل في مقتضيات الفصول السابقة يكشف بشكل واضح على صعوبة رد الاعتبار إذ أن بعض المفرج عنهم قد ينتظرون عشرين سنة لرد الاعتبار وهو أمر لا يحتاج إلى تعليق. ويمتد منطق العقوبة الممتدة في الزمان على مجالات أخرى كالحقوق السياسية من خلال مدونة الانتخابات التي تشترط في حق الترشيح خلو السجل العدلي من أية إدانة جنائية سابقة وسار ظهير الحريات العامة الصادر بتاريخ 15 نونبر 1958 وخاصة من خلال التعديلات الواردة عليه سنة 2002 في نفس الاتجاه حيث اشترط على العاملين في الحقل الجمعوي وثيقة السجل العدلي وهو ما لا يساعد في إدماج المفرج عنهم في عمل المجتمع المدني من موقع المسؤولية في الجمعيات المختصة. ففي زمن الحديث عن العقوبات البديلة والاتجاه الدولي المتزايد في اتجاه الحد من العقوبات السالبة للحرية وفي إطار وضوح القناعة بأن المجرم "بعد قضائه للعقوبة يجب أن تكون له فرصة عادة لكي يبدأ حياته من جديد بطريقة سليمة فلا تصبح الجريمة التي ارتكبها وعوقب من اجلها عائقا يمنعه من العمل أو يضيف أمامه سبل الرزق، أو تحول بينه وبين إقامة علاقات عادية مع الآخرين لأن مثل هذه الأوضاع من شأنها أن تجعله يعود إلى الجريمة[4]، وفي إطار الحقائق التي تدل على أن تسديد العقوبة لا يؤثر بالضرورة على خفق الجريمة وتجربة مصر مع قضايا المخدرات أكبر دليل على ذلك إذ نصت المادتين 33 و34 من القانون رقم 40 سنة 1966 على عقوبة الإعدام على كل من صدر الإنجاز (المادة 33) وكل من حاز أو أحرز أو اشترى أو باع أو سلم أو نقل أو فقدم للتعاطي جوهرا مخدرا وكان ذلك بقصد الاتجار أو اتجر فيها بأية صورة (المادة 34) غير أن النتائج التي توفاها المشرع المصري والمتمثلة في انخفاض قضايا المخدرات لم تتحقق ولم تحكم المحاكم المصرية بأي حكم يقضي بالإعدام سنة1966 سنة صدور هذه القانون الذي يقضي بالإعدام سنة 1966 سنة صدور هذه التعديلات والأرقام الإحصائية توضح ذلك انه سنة قبل هذا القانون أي سنة 1965 شهدت المحاكم المصرية 7103 قضية مخدرات وارتفع هذا الرقم في سنة صدور القانون الذي يقضي بالإعدام إلى 7927 قضية وبلغ سنة 1967ما مجموعه8556 قضية[5] ولعل هذه التجربة توضح بشكل لا يدع مجالا للشك على أن شدة العقوبة لا تؤثر على السلوك الإجرامي. [1]- فاروق عبد الرحمن مراد وآخرون: الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم بين النظرية والتطبيق ص: 96-97. أورده عبد الرحمن رجيشي: "الرعاية اللاحقة للأحداث بين النظرية والتطبيق دراسة ميدانية" بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في علوم التربية السنة الجامعية 2001-2002 [2]- نفسه [3]- راجع مقررات المؤتمر الدولي لمكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين المنعقد بجنيف سنة 1955 وقراري المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة على التوالي: 633 الصادر بتاريخ 31 يوليوز 1957 والقرار المؤرخ في 12 ماي 1977 المواد 79.80.81 [4]- الدكتور أحمد علي المجدوب: علاقة مدى شدة العقوبة بارتفاع والحفاظ معدلات الجريمة وهي عبارة عن مقالة ضمن مؤلف جماعي بعنوان النظريات الحديثة في تفسير السلوك الإجرامي دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض ص 189. [5]- نفسه.الرعاية اللاحقة
المبحث الأول: الرعاية اللاحقة فلسفتها، أهدافها، وأنماطها
أولا: فلسفة الرعاية اللاحقة
ثانيا: أهداف الرعاية اللاحقة
ثالثا: أنماط الرعاية اللاحقة
المبحث الثاني: الرعاية اللاحقة بين القانون الدولي والمغربي
أولا: الرعاية اللاحقة في القانون الدولي
ثانيا: الرعاية اللاحقة في القانون المغربي نقط الضعف ونقاط القوة
I- الجوانب الإيجابية في القانون المغربي
أ- وقف التنفيذ
ب- الإفراج المقيد
II- الجوانب السلبية في القانون المغربي
3-على مستوى الوظيفة العمومية
2- على مستوى المسطرة الجنائية
4- السجل العدلي
ب-رد الاعتبار
الجمعة, 09 فبراير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











من المغرب
أخي الفاضل، السلام عليكم
أحييك على حركيتك ونشاطتك التدويني المميز
أدعوك وادعو كل زوار مدونتك الرائعة، وعموم المدونين إلى الإنخراط معنا في حملة يوم الأقصى الإلكتروني.
نريد أن نجعل من يوم الجمعة المقبل 16 فبراير 2007 يوما خاصا للتدوين عن القدس الشريف والأقصى المبارك ومعاناة اهلنا في فلسطين
نننتظر موافقتك الإنضمام معنا إلى الحملة، وكذا نشر هذا الخبر خاصة في مدونات جيران
أملنا أن يسهم الجميع في خلق حدث تدويني مميز، وشكرا لك وللجميع
مع تحيات محمد لشيب من المغرب
صاحب مدونة تقليب نظر
للمزيد من التفاصيل: www.lachyab.jeeran.com
+21263654972