الانتقال الديموقراطي...الان
من أجل مواطنة إلكترونية في إنتظار مواطنة دولتية...جميعا من أجل أممية ديموقراطية "ليس هناك جيش أقوى من فكرة حان وقتها" فيكتور هوجو

الاقتصاد السياسي للبطالة ..مقدمة لدراسة علاقة البطالة بالجريمة

مفهوم البطالة وتفسيراتها في الاقتصاد السياسي

 

" وقف طفل صغير أمام والدته وهو يرتعش من قسوة البرد في أحد أيام شتاء 1929، وسألها ببراءة: لماذا لا تدفئين المنزل يا أمي؟ قالت الأم: لأنه  لا يوجد لدينا فحم بالمنزل يا ولدي. فسألها الطفل: ولماذا لا يوجد فحم بالمنزل؟ أجابت الأم: لأن والدك متعطل عن العمل. وعاد الابن يسألها: ولماذا يتعطل أبي عن العمل؟ قالت الأم: لأنه يوجد فحم كثير بالأسواق"

 

 

قصاصة من جريدة ألمانية مجهولة وبتاريخ مجهول

تشكل البطالة أكبر قضية اجتماعية واقتصادية تطرح على المغرب كغيره من بلدان العالم، حيث أصبحت حدة الظاهرة تتسع بشكل مضطرد على الرغم من بعض المؤشرات الاقتصادية والإحصائية التي تشير إلى تراجع نسبة البطالة في المغرب إلى ما دون % 10 وذلك كسابقة من نوعها في الثلاثين سنة الأخيرة، غير أن المرقب الموضوعي للظاهرة يصادف مظاهر أخرى تختلف جذريا علن الأرقام الرسمية المقدمة، وهذا ما يطرح أسئلة جوهرية تتكرر  في أكثر من دراسة علمية لظاهرة البطالة ألا وهي: ما هي البطالة؟ ما مفهومها؟ وما تفسيراتها؟ على اعتبار أن تحديد المفهوم هو عتبة استيعاب المعنى وفهم الظاهرة، هذا ما جعل الكثير من التحليلات تقف طويلا عند التحديد المفاهيمي للظاهرة لرفع كل الالتباسات التي ترافق بعض الأرقام الرسمية وشبه الرسمية.

المبحث الأول: البطالة، مفهومها- قياسها- أشكالها

إن التحديد العلمي للبطالة من شأنه أن يرفع عائق ابستمولوجيا غالبا ما تم استثماره لإخفاء شعارات ومواقف وأخطاء سياسية واقتصادية. وتجاوز هذا العائق يمر وجوبا بتحديد المفهوم والإشكالات التي يطرحها مع ضبط آليات القياس المتعارف عليها دوليا والصعوبات التي ترافقها إضافة إلى تحديد أشكال البطالة على اعتبار هذه الأخيرة لا تشكل وحدة منسجمة.

أولا: مفهوم البطالة

لا يخلو أي بلد في العالم من البطالة، غير أن حدتها تختلف من بلد على آخر ومن نظام اقتصادي إلى آخر خاصة في المرحلة التي كان فيها العالم يعرف سيادة نمط الإنتاج الاشتراكي والشيوعي في جزء كبير من العالم، حيث عرفت هذه الدول من خلال مقاربتها الإيديولوجية للاقتصاد أن تصل في أكثر من مناسبة إلى حالة التوظيف الكامل للقوة العاملة.

غير أن النظر إلى قضية البطالة باعتبارها قضية اجتماعية تخضع للمنهج العلمي للعلوم الإجتماعية في الدراسة والبحث، لم ينطلق سوى مع الأزمة الاقتصادية العالمية للعام 1929 وما تلاها من تدويل متصاعد للاقتصاد العالمي، حيث مثلت دراسات جهودا Jahoda و آل Al سنة 1933 وخاصة حول الآثار المدمرة للبطالة في النمسا عملا تأسيسيا لدراسة البطالة في علاقتها بالدورة الإقتصادية حيث تعرف حالات مد وجزر بالنظر إلى المؤشرات الإقتصادية حيث تتقلص البطالة عندما تصادف دورة اقتصادية منتعشة، وتتسع في حالة الانكماش الاقتصادي، ويبدو أن البطالة قد دخلت مرحلة جديدة تختلف تماما عن بطالة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. ففي حالة البلدان الصناعية المتقدمة، كانت البطالة جزءا من حركة الدورة الاقتصادية، بمعنى أنها تظهر مع ظهور مرحلة الركود وتختفي مع مرحلة الانتعاش" أما الآن فقد أصبحت البطالة، ومنذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان مشكلة هيكلية فبالرغم من تحقق الانتعاش والنمو الاقتصادي تتفاقم البطالة سنة بعد أخرى[1]".

لقد شكلت البطالة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والفترة التي تلت الأزمة الاقتصادية للعام 1929، موضوعا رئيسيا في كل الدراسات والأبحاث التي تعنى بالاقتصاد والمجتمع والجريمة والتنمية والتخلف والفقر، إذ شكلت تحديا علميا بارزا بالنظر إلى تحولات الاقتصاد العالمي وآليات الإنتاج، بالإضافة إلى تأثيرها على الحراك الاجتماعي والسياسي للكثير من الدول، حيث أصبحت البطالة موضوعا أساسيا في جدول أعمال السياسيين وأصحاب القرار فيها. كما شكلت البطالة عنصرا رئيسيا في تحليل عدة أوضاع في البلدان المختلفة وتلك السائدة في طور النمو ولعل أبرز التحديات التي التصقت بالبطالة كعامل متغير هي حالة الإرهاب التي انتشرت في العديد من بلدان شمال افريقيا والشرق الأوسط خاصة في مصر بداية الثمانينات مع تأثيرات نجاح الثورة الإيرانية وفي نهاية الثمانينات مع أصداء نجاحات المجاهدين الأفغان ضد القوات السوفياتية وقد تزامنت هذه الأحداث مع ظروف اقتصادية ومالية صعبة اجتازتها بعض البلدان نظير المغرب الذي دخل في بداية استمر إلى منتصف التسعينات، مخلفا انعكاسات بالغة على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، مع ما ترتب عنه من اضطرابات سياسية واجتماعية تميزت بأحداث الدار البيضاء سنة 1981، أحداث الناظور 1984، أحداث فاس وطنجة بني مكادة سنة 1990. دون أن ننسى تعقد ظروف العيش سواء بالنسبة للمدن حيث انتشار السكن الغير اللائق وارتفاع معدلات البطالة والجريمة والفقر أو بالنسبة للبوادي حيث اتساع دورات الجفاف المنتجين الزراعيين الجدد على الأراضي الخصبة الشيء الذي دفع بأعداد كبيرة من القرويين إلى الهجرة إلى المدن والتي سوف يواجهون فيها صعوبات كبيرة أبرزها عدم توفرهم على تكوين ملائم لشغل الوظائف الموجودة على قلتها، وهو ما تسبب في مضاعفة أعداد العاطلين عن العمل.

3-       من هو العاطل:

لقد عرف المغرب مع بداية التسعينات تأسس إطار جمعوي يدعى الجمعية الوطنية لحاملي الشهادات المعطلين بالمغرب، وتوصيف حاملي الشهادات بالمعطلين هو اتهام مبطن لجهات ما تقصد باختياراتها السياسية والاقتصادية إلى تعطيل جزء من القوة العاملة وخاصة حاملي الشهادات وهو ما جعلنا أمام ثنائية عاطل ومعطل حيث يتم استعمال المصطلح الأخير بشحنة احتجاجية وسياسية، لكن بعيدا عن هذا الجدل كيف يمكن أن نحدد معنى البطالة وبالتالي تحديد من هو العاطل إذ أن البطالة ذات معنى كوني ومغزى محلي[2].

أجمع الخبراء وحسب ما أوصت به منظمة العمل الدولية ILO في تعريف العاطل بأنه: "كل من هو قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى[3]"، هذا التعريف يدفعنا إلى مساءلة بعض الأحكام العامة في تعريف العاطل فأغلب التعريفات السائدة تعرف العاطل الذي لا يعمل، غير أن الواقع لا يعكس ذلك حيث أن هناك العديد من الأفراد في المجتمع لا يعملون ومع ذلك لا يمكن اعتبارهم عاطلين نظير المتقاعدين والأطفال والعجزة والطلبة، كما أن هناك أفرادا في المجتمع يعملون ومع ذلك يبحثون عن عمل م خلال تسجيل أنفسهم كباحثين عن الشغل في المؤسسات المتخصصة ويبعثون بسيرهم الذاتية إلى الجرائد والجرائد المتخصصة، وعلى الرغم من ذلك فلا يجوز اعتبار هؤلاء عاطلين عن العمل، أما في مقابل هذه الحالة فإننا نجد بعض المهن الهاشمية أو بعض الأعمال المؤقتة ذات التوظيف القصير المدة وغالبا ما لا تشمل الإحصاءات هذه الفئة من العاطلين. وبالتالي يمكن أن نحدد أبرز معالم العاطل فيما يلي:

- القدرة على العمل

- البحث عن العمل

- قبول العمل عند الأجر السائد

- عدم توفره على فرص عمل

الباحثون عن العمل

لايعملون

عاطلون

والشكل التالي يوضح لنا من هم العاطلون:

 

 

 

 

 

                                                        الشكل رقم 1 [4]

ب- قوة العمل:

قوة العمل هي مجموع القادرين من الناحية الصحية على العمل ويبلغون من العمر 15 سنة[5] فما فوق موزعين على الجنسين، باستثناء الطلبة والتلاميذ والعجزة والمتقاعدين وكل أولئك الذين لا تنطبق عليهم أوصاف العاطل كغير المشتغلين أو لا يبحثون عن عمل وليس لهم الاستعداد للقبول بالأجر السائد، كما أنه في تحديدنا لقوة العمل فإننا لا نميز ما بين العاملين والعاطلين، غير أن هناك بعض الدول التي تقصر قوة العمل على المدنيين حيث تستثني قوات الجيش وكل القوات العسكرية وشبه العسكرية، وهذا التمييز له أثره البارز وهو ما سنكتشفه لقياس مستوى البطالة ونسبتها.

ج- حجم البطالة ونسبتها:

يتم قياس حجم البطالة من خلال رصد الفارق ما بين حجم مجموع القوة العاملة حسب التحديد السابق ومجموع العاملين فعليا في لحظة احتساب حجم البطالة والتي هي نتيجة الفارق بين المجموعتين فإذا افترضنا أن القوة العاملة يبلغ مجموعها 10 ملايين وحجم العاملين يبلغ 8 ملايين فإن حجم البطالة هو:

   2 مليون         =  8 ملايين       10 ملايين

مجموع العاطلين      مجموع العاملين      مجموع القوة العاملة

أما قياس نسبة البطالة فتحسب بقسمة حجم البطالة على إجمالي قوة العمل ذكورا وإناثا مضروبا في مائة وذلك وفقا للمعادلة التالية[6]:

    نسبة البطالة =    حجم البطالة (عدد العاطلين)   x100

                         إجمالي القوة العاطلة

 

 

 


وإذا طبقنا الأرقام الافتراضية السابقة فإننا سنصل إلى ما يلي:

%20      =  2 مليون عاطل         = 100

              10 ملايين (القوة العاملة)

 

 

 


غير أن تحديد نسبة البطالة غالبا ما يصادف بعض العوائق كأن تسعى الدولة إلى تحقيق هذه النسبة من خلال عدم احتساب المهنة الهاشمية ضمن عدد العاطلين، كما أن بعض الدول تخرج قوة الجيش والأمن من حجم القوة العاملة وهو ما ينعكس بشكل هام على تحديد نسبة البطالة فإذا أضفنا حجم أفراد الجيش والأمن للقوة العاملة فهذا من شأنه أن يرفع نسبة البطالة، انسجاما مع المثال الافتراضي السابق نضيف حجم الجيش بتقدير عدده 500000 فرد إلى حجم القوة العاملة ونقوم من جديد باحتساب عدد العاطلين مدمجين في ذلك حتى المهن الهامشية المؤقتة بافتراض عدد هؤلاء يصل إلى 500.000 فرد عاطل، فان النتائج السابقة ستعرف بلا شك تغييرات جوهرية كالتالي:

4-  احتساب القوة العاملة:

مجموع العاطلين   =    مجموع العاملين-    مجموع القوة العاملة

  34000000              7800000           11000000 

( 500 ألف عسكري- 500 ألف من المهن الهامشية)

5-  احتساب نسبة البطالة:

% 20 =      3 ملايين عاطل        x  100

           11000000 (القوة العاملة)

 

 


وهنا نلاحظ أن نسبة البطالة اختلفت في الوضعيتيـن وذلك لانتقالها من % 20 إلـى % 27,27 أي بزيادة نسبة % 7,27، وهذا ما يبرز حساسية التعامل مع الإحصاءات المتعلقة بنسب البطالة المعلنة من بعض الأجهزة كما أن تحديد نسبة البطالة تتأثر إضافة إلى ذلك بعاملين آخرين يتحدد الأول في ضبط سن المصرح بهم ضمن القوة العاملة، والعامل الثاني يتحدد في فترة التعطل المؤقت عن العمل والتي يفترض أن تدمج في كتلة العاطلين.

إن النماذج والمآخذ السابقة توضح حساسية تحديد معدلات البطالة إذ أن العديد من الدول وخاصة المتخلفة لا تقدم إحصاءات البطالة إلا بصفة سنوية مما لا يمكن من تتبع نسبة البطالة بالقياس على النتائج التي يحققها الاقتصاد المحلي، وتجدر الإشارة إلى أن معدلات البطالة عندما تتجاوز % 5 فإننا نكون أمام اقتصاد يعانى صعوبات كبيرة بما تحمله هذه الصعوبات من تحديات اجتماعية وأمنية وسياسية، وهذا ما يجعل المعطيات المحايدة والموضوعية حول حالة البطالة تحاط بالكثير من السرية.

غير أنه على الرغم من البساطة الظاهرة لقياس حجم البطالة ونسبتها فإن هناك العديد من المآخذ على طرق القياس تلك، منها مدى صحة قول العاطلين أنهم كانوا يبحثون جادين عن فرص عمل ويقبلون بالوظائف المتاحة عند الأجر السائد، خاصة في الدول النامية التي يسود فيها نظام الضمان الاجتماعي[7] والذي يتيح موارد مالية قد لا توفرها مناصب الشغل المتاحة.

ثالثا: أشكال البطالة

قبل التطرق إلى أنواع البطالة تجدر الإشارة إلى أن فئة العاطلين عن العمل لا يشكلون وحدة منسجمة قياسا على السن أو الجنس أو طبيعة المهن والقطاع الاقتصادي كذلك نشهد عدة تمايزات ما بين البوادي والمدن إضافة على مدة التعطل حيث يعاني البعض من البطالة عدة شهور أو أسابيع محدودة بينما يعاني البعض من بطالة طويلة المدى تفوق السنة، مما يجعل التكاليف الاجتماعية والاقتصادية للبطالة تختلف من فئة إلى أخرى ففي حين بعض الفئات تكون قادرة على تدبر أمورها في الفترة الفاصلة ما بين العطالة والتشغيل فإن فئات اجتماعية أخرى تعجز عن ذلك نظرا لضعف قدرتها على الادخار في فترة العمل السابقة وهو ما يمثل تحديا كبيرا للدولة خاصة في الجوانب الأمنية ومن جهة عدالة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية إضافة إلى القدرة على تغطية مصاريف البحث عن عمل جديد.

يشير الدكتور رمزي زكي في كتابه الهام الاقتصاد السياسي للبطالة إلى أن هناك خمسة أشكال للبطالة وهي:

1- البطالة الدورية

2- البطالة الاحتكاكية

3- البطالة الهيكلية

4- البطالة الظاهرة والبطالة المقنعة

5- البطالة الاختيارية والبطالة المفروضة

 
1-  البطالة الدورية

إن نمط الاقتصاد الرأسمالي يعرف بصفة دورية ما يعرف بالدورة الإقتصادية، إذ أن الاقتصادات الرأسمالية لا تسير بنفس الوتيرة وغالبا ما تخضع لدورات اقتصادية تتراوح مدتها ما بين 3 و10 سنوات يعرف فيها الاقتصاد القومي فترات مد وجزر يتغير فيها حجم الدخل الناتج والبطالة، وإن كانت الدورات الاقتصادية لا تتشابه فإنها مع ذلك تحتفظ بسمات مشتركة تمكننا من توقع المعالم الأساسية لمراحل الاتساع والانكماش في الاقتصاد القومي والتي لا تخرج عن ما يلي:

1- تراجع الإٌقبال على المنتوجات الاستهلاكية مما ينتج عنه ازدياد المخزون منها خاصة الأجهزة المعمرة كالسيارات والأجهزة الكهربائية وكل التجهيزات الكمالية، وكرد فعل على ذلك سوف يسعى  المنتجون إلى خفض حجم الإنتاج هذا ما سيؤثر على الدخل القومي نظرا لتراجع الصادرات.

2- ستراجع طلب العمالة أولا في شكلا خفض ساعات العمل وثانيا بتسريح العمال مما سيرفع بالتالي من حجم البطالة.

3- تراجع الطلب على المواد الأولية نتيجة تراجع الإنتاج مما سيؤثر على المناجم

4- هبوط حاد في معدلات الأرباح وتراجع في قيمة الأسهم المعروضة في الأسواق المالية مع انخفاض حاد في معدلات الأرباح وتراجع في قيمة الأسهم المعروضة في الأسواق المالية مع انخفاض حاد في الإقبال على القروض المصرفية وكنتيجة لذلك ستعرف أسعار الفائدة انخفاضا شديدا أما مرحلة الانتعاش الاقتصادي فهي نقيض سمات مرحلة الكساد وما يهمنا هو أن مرحلة الانتعاش تعرف إقبالا شديدا على التوظيف مما ينعكس على معدلات البطالة التي تتجه نحو الانخفاض، وهذا هو المقصود بالبطالة الدورية[8].

2- البطالة الاحتكاكية

البطالة الاحتكاكية أو بطالة الوساطة هي نتاج طبيعي لضعف المعلومات حول سوق الشغل إذ أن عدم تأمين الوساطة ما بين الباحثين عن الشغل والمشغلين يدفع إلى احتساب فئة من السكان ضمن العاطلين على الرغم من توفرهم على كفاءات مطلوبة في السوق  وتوفر لهم لهم عروض الشغل المناسبة غير أن غياب قناة تربط بين الطرفين تجعل مدة البطالة بالنسبة لهم تطول، وهذا ما يؤكد حيوية وجود مؤسسات وطنية للوساطة في التشغيل تكون مركزا لتجميع طلبات التشغيل من جهة وعروض الشغل من جهة أخرى وهي التجربة التي دخلها المغرب منذ سنوات وتجسدت بصفة مهنية مع خلق الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات، التي توفر قاعدة معطيات هامة موجودة على موقعها الإلكتروني، وهو ما من شأنه أن يقلل الفترة الزمنية للبحث عن العمل، ويرى بعض الأخصائيين أن البطالة الاحتكاكية تتأثر سلبا في البلدان التي تمنح العاطلين تعويضات عن البطالة، إذ يذهب هؤلاء على اعتبار تلك الإعانات المعفية من التحمل الضريبي على الدخل تطيل مرحلة البحث عن الشغل وبالتالي اتساع قاعدة البطالة الاحتكاكية ويقترحون للحد من هذه النتائج، فرض ضريبة الدخل على تعويضات البطالة[9].

3- البطالة الهيكلية

يقصد بالطبالة الهيكلية هي تلك البطالة الناتجة عن تغييرات هيكلية في الاقتصاد القومي والتي تتسم من جهة بندرة مناصب الشغل في قطاع اقتصادي معين وفي المقابل وفرة الطلب على اليد العاملة في قطاع اقتصادي آخر، دون أن تتمكن الفئة الأولى من تلبية حاجية القطاع الاقتصادي الثاني وذلك بسبب ضعف التأهيل ولاختلاف المهارات والكفاءات المطلوبة. ونموذج البطالة الهيكلية هو ما يقع في المغرب في السنين الأخيرة حيث دخل الاقتصاد المغربي في حمية قاسية تنفيذا لتعليمات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، حيث أقدم على إغلاق العديد من المناجم كمنجم الفحم الحجري بجرادة وهو ما خلق يدا عاملة عريضة غير مؤهلة ولا تتوفر لها بدائل في المنطقة مما يعني أنها دخلت طور البطالة الهيكلية في انتظار تأهيلها من جديد لمهن أخرى وانتقالها إلى مجالات اقتصادية واعدة، كما يعرف سوق العمل  المغربي دخول مهن جديدة في 15 سنة الأخيرة أبرزها تلك المرتبطة بقطاع الاتصالات ومراكز خدمة الهاتف غير أنه رغم توفر عروض مغرية للشغل في هذه القطاعات فإن أبرز عائق هو مستوى تأهيل طالبي العمل، كما أن هناك قطاعات اقتصادية أخرى بدأت تعرف صعوبات كبيرة في ظل التجارة العالمية والاتفاقيات الدولية الخاصة بالتجارة ورفع الحواجز الجمركية، كقطاع النسيج الذي شهد في السنة الأخيرة عدة تسريحات جماعية للعمال مما يعمق من حجم البطالة الهيكلية.

كما أن فشل النظام التعليمي وتفاقم الهد المدرسي يساهمان بدورهما في هذا النوع من البطالة من خلال الدفع بالكثير من المرهقين والشباب إلى سوق العمل بشكل لا يتوافق في الغالب  مع المؤهلات التي يحملونها زيادة على كونهم يكونون ميالين دائما على تغيير وظائفهم مما يجعلهم أكثر عرضة للبطالة الهيكلية من غيرهم[10].

وهذا النوع من البطالة شهدته الدول النامية خاصة مع إغلاق مناجم الفحم خلال الخمسينات والستينات في مرحلة أولى وفي مرحلة ثانية من خلال نقل العديد من الصناعات إلى بلدان العالم الثالث نظرا لرخص العمالة ومدونة القوانين الضريبية والبيئية بالإضافة إلى مدونة قوانين الشغل.

4- البطالة الظاهرة والبطالة المقنعة

البطالة الظاهرة أو السافرة كما يسميها رمزي زكي هي تلك البطالة التي تنطبق على الواقعين فيها تعريف منظمة العمل الدولية للعاطل أي ذلك الشخص ذكرا أو أنثى القادر على العمل من الناحية البدنية ويتوفر على السن القانوني للعمل ويبحث عن عمل عند الأجر السائد ولا يجده، وهذا النوع من البطالة يرتبط جوهريا بالدورة الاقتصادية في مرحلة الكساد، أما البطالة المقنعة فهي حسب الدكتور رمزي زكي دائما "تلك الحالة التي يتكدس فيها عدد كبير من العمال بشكل يفوق الحاجة الفعلية للعمل[11]" بحيث إذ تم تقليص عدد العمال فإن الإنتاج لن يتأثر وبالتالي فوجود هذا النوع من العمالة من شأنه أن يرفع من تكلفة الإنتاج، وقد ساد هذا النوع من البطالة لسنوات طويلة عندما كان نمط الإنتاج الدولي هو السائد، حيث كانت الدولة في المغرب مثلا تسير الضيعات الفلاجية وبعض المصانع والفنادق ودور النشر والتوزيع والصحف، وفي ظل علاقات الزبونية والقرابة تم إغراق هذه المؤسسات الاقتصادية بالعمالة بشكل لا يتناسب مع الحاجة الفعلية إليهم وهو ما أوصل هذه المؤسسات إلى الإفلاس مما عجل بإدخالها في إطار سياسة الخوصصة، كما أن الجهاز الإداري للدولة غالبا ما يعرف هذا النوع كمن البطالة حيث ارتفاع مستويات التوظيف بدون حاجة فعلية للقادمين الجدد، ويفسر د. زكي موجة التوظيفات هذه في مرحلة تاريخية معينة بحاجة الدولة إلى كسب زبناء وأنصار جدد من الطبقة الوسطى من خريجي المجتمعات والمعاهد العليا والتقنية[12].

5- البطالة الاختيارية والبطالة المفروضة

البطالة الاختيارية هي التي تتم بمحض إرادة الفرد، أما لتوفره على مصادر أخرى كأن يكون منحدرا من وسط ثري، أو يكون متوفرا على ادخار مهم يمكنه من تغطية حاجياته ومصاريف البحث عن العمل، وغالبا ما تكون هذه الفئة من الأطر العليا التي تبحث دوما عن فرص وظروف أفضل للعمل، بإيجاز فالبطالة الاختيارية هي البطالة التي لا تنتج عن طرد أو تسريح من العمل أو الوظيفة وهي حالة البطالة المفروضة حيث يكون الفرد قادرا على العمل ويبحث عنه عند الأجر السائد ويقبله، لكنه لا يجده وهذه هي الحالة بالنسبة للداخلين الجدد على سوق العمل، كما تحدث البطالة المفروضة أو الإجبارية بمناسبة طرد العمال والتسريحات الجماعية.

لقد سبق وأن أشرنا في بداية هذا المبحث إلى أن البطالة ظاهرة تعرفها جميع المجتمعات وليبس هناك اقتصاد قابل للانفلات من مخالبها مهما بلغ الاقتصاد الوطني. فإنه لن يصل إلى تحقيق مستوى التوظيف الكامل لكل القوة العاملة بالبلد، إذ أن أنواع البطالة التي أشرنا إليها وخاصة الاحتكاكية والهيكلية تعدان من صميم الدورة الاقتصادية وأحد سمات نمط الإنتاج الرأسمالي وحاصلهما هو ما يمكن أ، نصطلح عليه بمعدل البطالة العادي أو المقبول حيث تتساوى عروض العمل مع عدد الطالبين والقادرين عليه والقابلين للأجر  عند المستوى السائد" ، أي أنه لا يوجد بها فائض عرض أ, فائض طلب، وبالتالي لا توجد قوى تدفع معدلات الأجور والسعار إلى الصعود أو الهبوط[13]."

كما تجدر الإشارة في نهاية هذا البحث على ما سبق وأن ألمحنا إليه في الصعوبة المطروحة من الناحية الإحصائية في قياس حجم ونسبة البطالة حيث يتم إقصاء فئات واسعة من المحبطين ومن أصحاب الأعمال الهامشية (تجار السجائر بالتقسيط، ماسحي الأحذية، الحمالون في المحلات والأسواق..) وغيرهم من كتلة قوة العمل وهذا ما ينعكس على مصداقية نسب البطالة والجدول التالي يوضح لنا التغييرات الجوهرية التي تعرضها معدلات البطالة عند إدراج جميع الفئات من العاطلين في عدد من البلدان الصناعية حيث تقفز إلى أكثر من الضعف حسب ما ورد في تقرير التنمية البشرية لعام 1996 الطبعة العربية الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، ونعتقد أن وضعية الاقتصادات العربية والاقتصاد المغربي على الأخص سوف تكون صعبة إذا ما قمنا بإضافة العمال المحبطين والعاطلين لبعض الوقت بغير إرادتهم إلى حجم القوى العاملة، إذ ستكون نسب البطالة مرتفعة جدا بشكل قادر على تفسير حجم الإشكالات السياسية والاجتماعية والقيمية التي تواجه هذه البلدان.

 

 

     %من قوة العمل

جدول[1]رقم (1)

تعديل معدل البطالة بإضافة العمال المحبطين والعاطلين بعض الوقت بغير إرادتهم في عدد من البلدان الصناعية في عام 1993.  

                                       

الدولة

معدل البطالة الرسمي %

العمال المحبطون %

العاطلون بعض الوقت بغير  إرادتهم %

معدل البطالة*

كندا

11,2

0,9

5,5

17,6

الولايات المتحدة الأمريكية

6,8

0,9

5,0

12,7

اليابان

2,5

2,2

1,9

6,6

هولاندا

6,5

0,6

5,6

12,7

النرويج

6,0

1,2

7,2

فنلندا

17,9

1,5

2,9

22,3

فرنسا

11,7

0,2

4,8

16,7

آيسلندا

5,3

السويد

8,2

2,0

6,2

16,4

اسبانيا

22,7

0,2

1,0

23,9

استراليا

10,9

1,6

6,9

19,4

بلجيكا

12,0

1,5

3,8

17,3

النمسا

4,2

نيوزيلندا

9,5

1,0

6,3

16,8

سويسرا

4,5

المملكة المتحدة

10,2

0,6

3,2

14,0

الدانمارك

12,4

1,6

4,8

18,8

ألمانيا

8,9

..

1,5

ايرلندا

15,6

0,5

3,3

19,4

إيطاليا

10,3

2,6

2,3

13,1

اليونان

9,7

0,3

3,1

13,1

لكسمبورغ

2,0

مالطا

4,1

البرتغال

5,6

0,1

1,8

7,5

* حسب هذا المعدل بعد إضافة العمال المحبطين والعاطلين بعض الوقت بغير إرادتهم

 

 

 



[1]-  د. رمزي زكي: الاقتصاد السياسي للبطالة تحليل لأخطر مشكلات الرأسمالية المعاصرة- سلسلة عالم المعرفة العدد 226-1997. الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت ص:10

[2]- محمد شيكر: البطالة بين الاقتصاد والثقافي / الحوليات المغربية للاقتصاد العدد 3 السنة 1992-1993 ص: 7

[3]- عن رمزي زكي: مرجع سابق ص: 15

[4]- نفسه ص: 15

[5]- انظر مقتضيات المادة 143 وما يليها من مدونة الشغل المغربية ونص الاتفاقية الدولية رقم 138 الخاصة بتجديد سن عمالة الأطفال، وفي إطار محاصرة تشغيل الخادمات في سن الأطفال يسفر المشرع المغربي إلى إعداد قانون يتعلق بخادمات البيوت

[6]- ذ. محمد عبد الله البكر: "اثر البطالة في البناء الاجتماعي، دراسة تحليلية للبطالة وأثرها في المملكة العربية السعودية مجلة العلوم الاجتماعية / جامعة الكويت المجلد 32- العدد2- 2004م.

[7]- يقصد بالضمان الاجتماعي تلك السياسة الكفيلة بتوفير الأمن الاقتصادي الذي تقدمه الحكومة للأفراد والعائلات.. وقد تطورت برامج الضمان الاجتماعي في القرن العشرين من مجرد برامج للتأمين الاجتماعي التي تغطي العمال من مخاطر محددة تهدد قدرتهم على إعالة أنفسهم وذويهم، إلى خطط وبرامج أوسع مدى لتشمل توفير الحماية والتأمين للشيخوخة و العجز بالإضافة على التأمين الصحي والعلاج بالمستشفيات. وقد لقيت خطط الضمان الاجتماعي في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الصناعية ترحيبا بوصفها أداة للقضاء على الحرمان والعوز بعد أن أصل هذه الخطط سير وليم بيفردج في بريطانيا في بداية الأربعينات. انظر

Sir  Wiliam Beveridge : « Social Insurance and Allied Sercices » ; the Macmillon company, New york 1942

ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك محاولات في الآونة الأخيرة لتقليص مشروعات الضمان الاجتماعي بعد أن كانت أحد معالم دولة الرفاه في الماضي.

 

[8]- د. رمزي زكي. الاقتصاد السياسي للبطالة م س ص: 24.25

[9]- انظر الموقع الإلكتروني للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات. WWW. Anapec.org

[10]-  باري سيجل: "النقود والبنوك والاقتصاد"، وجهة نظر النقديين ترجمة د. طه عبد الله منصور و د. عبد الفتاح عبد الرحمن، دار المريخ للنشر بالرياض ص: 614، عن رمزي زكي م س ص:26

[11]- جيمس جوراتني وريجارد لشروب الاقتصاد الكلي.. م س ص:204

 

[12]- رمزي زكي. م س ص: 29

[13]- Peter N. Hess. And Clark G. Ross: Principales of Economics: on analytical approach.Wast Publishing Company New York, Los Angeles, San Fransisco. 1993. P: 543

عن رمزي زكي م س ص: 31

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 اكتوبر, 2006 12:16 ص , من قبل al-muta9adera
من المغرب

السلام عليكم
تشخيص المشكلة أمر محمود لكن أعتقد انك وقعت في إطار البطالة الفكرية عندما أغفلت نقاط عدة بمعنى من وراء وما المخرج
تخياتي

Http://al-muta9adera.blogspot.com


اضيف في 15 سبتمبر, 2007 05:58 م , من قبل 3achtare
من المغرب

le chomages est un probleme international, mais ce qui concerne notrs pays le taux de chomage des jeunes est 2 fois plus important que le restes de la population
parex.. plupart de nos recreteuresne font pas confiance au diplomes marocains ,ils choiseront tjrs un diplome français a l'equivalent marocain ,alors pour un autre chomeur l'espoir c l'etranger ,comme il se peux que ce chommeur vivre un manque d'espoir est pense a se suicider malheuresement
peux -tu nous faire adil une analyse politique sur le marché du trav et chomage ? BONNE CONTUNIATION
SANA


اضيف في 15 سبتمبر, 2007 06:01 م , من قبل 3achtare
من المغرب

le chomages est un probleme international, mais ce qui concerne notrs pays le taux de chomage des jeunes est 2 fois plus important que le restes de la population
parex.. plupart de nos recreteuresne font pas confiance au diplomes marocains ,ils choiseront tjrs un diplome français a l'equivalent marocain ,alors pour un autre chomeur l'espoir c l'etranger ,comme il se peux que ce chommeur vivre un manque d'espoir est pense a se suicider malheuresement
peux -tu nous faire adil une analyse politique sur le marché du trav et chomage ? BONNE CONTUNIATION
SANA


اضيف في 15 سبتمبر, 2007 06:21 م , من قبل 3achtare
من المغرب

le chomage est un probleme international;mais au maroc le taux de chomages des jeuunes est 2fois plus important que dans le reste de la population.
par ex(la plupart de nos recruteurs choiseront tjrs un diplomes français a l'equivalent marocain ,alors que pour un autre chomeur l'espoir c'est l'etranger ,comme il se peut que ce chommeure vivre un manque d'espoir avec un taux de stresse et de depression ,et pense a se suicider en fin de compte malheuresement quec la verité ..(sareste un point de vue)
peux -tu nous faire une analyse politique sur le marché du travail et chomage ,merci
sanae




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية